مولوي جلال الدين حقاني  كوكب دري في سماء الزمان

 

مولوي جلال الدين حقاني

 كوكب دري في سماء الزمان

 

د. هاني السباعي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد.

تقدمة:

إلى الحائرين التائهين الذين يسألون: من أين نبدأ والعدو يحيط بنا من كل مكان؟. إلى الذين يصدّرون اليأس والعجز للناس ويرضون بالركون للذين ظلموا!.. إلى الذين يستسلمون ويرضخون لقهر واقع مذل مرير..

 

إلى كل من يتوق لطريق الخلاص؛ طريق العزة والكرامة.. إلى الذين يتوقون لحل معضلات الأمة وتطهير بلاد المسلمين من المحتلين الأجانب وأزلامهم المحليين؛ لا فلاح ولا نجاح ولا خلاص للأمة إلا بطريق ذات الشوكة؛ طريق ذروة سنام الإسلام.

 

وقبل أن ألج في أصل الموضوع، شكر الله سعي وجهد الفضلاء الذين جمعوا سيرة الشيخ المفضال العالم العامل؛ مولوي جلال الدين حقاني وجزى الله خيراً كل من ساهم في كتابة سيرته الذاتية.

 

من منطلق تلكم التقدمة:

 

أتشرف بالمساهمة ولو بالدندنة حول سيرة هذا العملاق المعاصر، سيرة رجل من رجالات الإسلام بحق؛ مولوي جلال الدين حقاني؛ العالم الرباني، والمجاهد المربي، أنموذج في التضحية والفداء والبذل والعطاء والصبر والبلاء والشجاعة؛ كأنك تتكلم عن سيرة أحد الصحابة أو أحد علماء السلف الصالح. لا أكون مبالغاً إن قلت إن مولوي جلال الدين حقاني أحد أعظم مجددي الجهاد في وقتنا المعاصر.

 

فسلام وتحية وعزة وكرامة لجيل أفغانستان الشامخ، لنهرها الفياض بالخيرات مولانا شامة العلم والجهاد؛  مولوي جلال الدين حقاني.

 

لا تعجب لا تندهش:

 

قد يستغرب بعض الشبيبة ويدهش من كلامي عن مولوي جلال الدين حقاني! كأنني أبالغ في وصفه!. بالطبع هم معذورون؛ إذ لم يعاصروا حقبة الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفياتي؛ ـ (1979 ـ 1989) ـ الاتحاد السوفياتي الذي انفرط عقده بفضل الله ثم بفضل جهاد الشعب الأفغاني وقادته وعلى رأسهم مولولي جلال الدين حقاني..

 

شبيبة اليوم لم يروا ـ للأسف ـ إلا أنصاف قادة أو أشباه زعماء! أو ربما سمعوا عن قادة كانوا صادقين في بداية عهدهم بالجهاد ثم تنكبوا الطريق ودخلوا في حلف الطاغوت ـ (نعوذ بالله من الحور بعد الكور) ـ شبيبة اليوم معذورون فقد ولدوا في رحم الانكسار وزمن ندرة الرجال!..

 

مولوي حقاني ولد كبيراً:

 

مولوي جلال الدين حقاني ولد كبيراً! نعم كأنه ولد ليكون قائداً.. الشيخ الجليل جلال الدين حقاني؛ "أيقونة الجهاد المعاصر" نجم في سماء التاريخ، وكوكب دري في سماء الجهاد.

 

حقاني مدرسة جهادية في فنون حرب العصابات:

 

مولوي جلال الدين حقاني نشأ وترعرع وشاب وشاخ في الجهاد.. مولوي جلال الدين حقاني مدرسة جهادية أفغانية فريدة في فنون حرب العصابات. فإذا كنا نتذكر جهاد وبلاء الإمام شامل بطل القوقاز رحمه الله ضد روسيا القيصرية؛ فمولوي حقاني أيضاً؛ قائد وزعيم، وعالم مجاهد، يتساوى مع الإمام شامل وغيره من عظماء الأمة الإسلامية على مدار قرنين على الأقل حتى وقتنا المعاصر.

 

أَنا الصقرُ الذي حُدِّثتَ عنه ** عتاق الطير تنجدل انجدالا

وقاسيت الحروب أنا ابن سبع** فلما شبتُ أفنيت الرجالا

فَلَمْ تَدَعِ السيوفُ لنا عدوًّا ** ولم يدع السخاء لديّ مالا

 

إذا كنا نوصي الشبيبة بدراسة تجارب الأمم في كيفية التخلص من هيمنة المستكبرين في الأرض؛ كما في التجارب الصينية (ماو)، والكوبية (فيديل كاسترو وتشي جيفارا)، والفيتنامية ثورة (فيتكونغ)؛ وفن الحرب للفيلسوف الصيني "سن تيزو"، وحرب المستضعفين لـ "روبرت تابر" بالإضافة لتجربة الثورة الجزائرية ضد الفرنسيس وغيرها.. فحري بنا أن نوصي شبابنا أن يدرسوا التجربة الأفغانية التي أعادت العزة والكرامة للمسلمين في العالم وأوقفت الزحف الشيوعي الأحمر الذي كاد أن يبتلع الأخضر واليابس في العالم بأسره بل إن التجربة الأفغانية أرهقت واستنزفت أمريكا وحلفاءها، ولا يزالون يتجرعون الهزائم، لولا غرور القوة التي تأبى عليهم أن يعترفوا بالهزيمة رسمياً..

 

نعم حري بالذين عاشوا عبق حقبة الجهاد الأفغاني؛ أن يقدموا لأجيال المسلمين بأفغانستان و سائر بلاد المسلمين؛  سير أعلام نبلاء الجهاد مثل مولوي جلال الدين حقاني وغيره من الذين ثبتوا على العهد، ولم يتراجعوا ولم يبدلوا، ولم يعطوا الدينة في دينهم.

 

نعم! إن مولولي جلال الدين حقاني إمام المجاهدين في عصره، من السابقين في انطلاق شعلة الجهاد بأفغانستان.

 

لولا فضل الله أن هيأ للشعب الأفغاني بل وللأمة الإسلامية مولانا جلال الدين حقاني؛ لصارت أفغانستان في خبر كان! ولتمكن الشيوعيون من محو معالم الإسلام بأفغانستان!..

 

شرارة الجهاد من بندقية بدائية الصنع:

 

من "ميران شاه" انطلق الشيخ الكبير بحق؛ مولولي جلال الدين حقاني ببندقية قديمة متواضعة بدائية الصنع ومعه ستة رجال ـ أحسب أن الآية الكريمة تشملهم (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) الأحزاب آية 23 ـ؛ معظمهم قد استشهد تقبلهم الله في الفردوس الأعلى..

 

لقد قاد مولوي حقاني ـ حامل مشعل الجهاد بأفغانستان ـ هذه الثلة المؤمنة من الرجال ببنادق قديمة؛ من آثار غنائم هزيمة الاحتلال البريطاني الذي هزم عدة مرات على أيدي هذا الشعب الأفغاني البطل بحق!.

 

لو قرأنا عن هذه الانطلاقة الأولى للجهاد في كتب الأقدمين؛ لظننا أنها مبالغة! لكن الحقيقة الثابتة أن مولوي جلال الدين حقاني وصحبه واجهوا جيش الحكومة الأفغانية العميلة في ذلك الوقت وكان عدده أكثر من  80 ألف جندي بأحدث الأسلحة في زمانهم!. ثم واجهوا الجيش الشيوعي السوفياتي الأحمر أكثر من مائة ألف جندي سوفياتي على مدار 10 سنوات.

 

فأهل "باكتيا" وجبالها وقراها ووديانها وسهولها؛ شهدوا تلكم الملحمة أو قل إن شئت الكرامة الربانية (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) الأنفال آية 17.. أحسب أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قد تحقق فيهم (نصرت بالرعب).. وحديث: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، لأنهم صدقوا مع الله فأكرمهم الله بالنصر والظفر وغنموا غنائم كبيرة من مال وعتاد وسلاح ومؤن وذخيرة من الشيوعيين السوفييت وأزلامهم العملاء ما لم يكونوا يحتسبونه.. لقد حققوا الشرط فجاءهم الجواب (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) سورة محمد آية 7.. بالطبع هذا الظفر والنصر مع تضحية وبلاء واستشهاد..

 

ها هو هذا مولانا شيخ المجاهدين جلال الدين حقاني صاحب السبق والريادة والمكرمات.. ها هو ذا مولانا حقاني؛ ابن "باكتيا"، ابن قوم ذوي بأس شديد على أعداء الإسلام، بل ابن أفغانستان التي قبرت الامبراطوريات التي جربت حظها، فدفنها شعبها عبر التاريخ في جبالها وصحرائها..

 

مولانا جلال الدين حقاني ابن أفغانستان (مقبرة الغزاة) على مر التاريخ. كأن الشاعر العربي قديماً يعني مولانا جلال الدين حقاني وقومه، والشعب الأفغاني الأبي:

 

إن  تبتدر غاية  يوما لمكرمة ** تلق السوابق منا والمصلينا

وليس يهلك منا سيد أبدا ** إلا افتلينا غلاما سيدا فينا

إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ** ولو نسام بها في الأمن أغلينا

بيض  مفارقنا  تغلي  مراجلنا ** نأسو  بأموالنا آثار أيدينا

إنا  لمن  معشر أفنى أوائلهم ** قول  الكماة  ألا أين المحامونا

لو كان في الألف منا واحد فدعوا ** من فارس خالهم إياه يعنونا

إذا الكماة  تنحوا أن يصيبهم ** حد الظباة وصلناها بأيدينا

ولا تراهم  وإن جلت مصيبتهم ** مع البكاة على من مات يبكونا

 

هل أتاكم نبأ البطولات:

 

هل أتاكم نبأ بطولات سهل سهل "زورمات"؟! أو هل أتاكم نبأ بلاء قرية "شاهي كوت" وملاحم "جرديز" و"خوست"!! هل أتاكم نبأ التحاق الشباب وشيوخ القبائل بالمجاهدين وشن حروب أذاقت الويلات للجيش السوفياتي الأحمر الذي يوصف بأنه لا بقهر!؛ نعم! أذاقت أكثر من مائة ألف جندي روسي مرارة الهزائم المتكررة التي أرغمت قادة الكرملين على الانسحاب عام 1992 .. كل ذلك مسطور في الكتب والأبحاث  ـ على ندرتها ـ التي دونت ملحمة الشعب الأفغاني المسلم لتكون أنموذجاً يحتذي به شباب الإسلام في كل زمان ومكان.. ولله الحمد والمنة. 

 

وهكذا بفضل الله ثم ببركة صدق مولانا مولوي جلال الدين حقاني ومن معه من الثلة المؤمنة المجاهدة انتشر الجهاد في جميع الأراضي الأفغانية، تلكم الملحمة الجهادية التي ينبغي أن تكتب بمداد من نور على جبين الزمان.

 

كيف نوفي لمولانا حقاني حقه!:

 

كيف نوفي لهذا العالم الرباني؛ مولوي جلال الدين حقاني.. سبحان الله! له من اسمه نصيب؛ فهو جلال وهيبة وعظمة في نصرة الدين، وعدل وحق لمن لاذ به واستنصره من المستضعفين..

 

أكرم به من إمام!.. أكرم به من قائد مجاهد!.. إن مولانا مولوي حقاني ليس أنموذجاً في العلم والجهاد فقط؛ بل إنه مدرسة شاملة في العلم والعمل والحكمة والعقل الرشيد،  والجهاد والصبر، والزهد، والكرم والتواضع.

 

حقاني وطالبان والملا عمر:

 

لم يستنكف الشيخ الجليل جلال الدين حقاني عن مبايعة رجل في عمره ابنه حيث بايع مختاراً راضياً الملا محمد عمر رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.. صار أول من أشعل شرارة الجهاد بأفغانستان جندياً في إمارة أفغانستان الإسلامية.. ولا يزال آل حقاني يجاهدون المحتلين الغزاة الأمريكان وحلفهم الصليبي ويبذلون أرواحهم رخيصة لنصرة هذا الدين العظيم تقبلهم الله في الشهداء..

 

أحسب أن سير سلفنا الصالح شاخصة؛ في سيرة مولانا الشيخ مولوي جلال الدين حقاني والملا محمد عمر. إذا كنا نشيد ونعتز ونفتخر بعدل وجهاد وصبر الملا عمر، ـ هو الحاكم المسلم الوحيد في عصرنا الذي استحق لقد المجدد من الحكام بلا منازع ـ؛ فحري بنا أن نشيد ونعتز بمولوي جلال الدين حقاني؛ فما الملا محمد عمر إلا ثمرة من ثمرات قادة الجهاد الأفغاني وعلى رأسهم مولوي جلال الدين حقاني؛ فالسلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين في حطين؛ يعتبر حسنة من حسنات السلطان نور الدين زنكي رحمهما الله. 

 

صفوة القول

 

هكذا بعد هذا التطواف السريع حول سيرة أحد أعظم رجالات الإسلام في وقتنا المعاصرة؛ أكون قد بذلت قصارى جهدي في الاجابة على هؤلاء الحائرين الذين يتساءلون من أين نبدأ وأين الطريق الذين ذكرته في صدر هذا المقال؛ فالجواب واضح هو طريق ذروة سنام الإسلام الذي سلكه مولانا مولوي جلال الدين حقاني وصحبه.

 

إن شخصية مولوي جلال الدين حقاني جديرة بالدراسة والتحليل؛ كأنموذج فريد في فنون حرب العصابات؛ لتستفيد الأجيال من تجربته؛ ليس في الجهاد وفنون القتال وخطط الكر والفر، والمباغتة، وحسن استخدام الوسائل المتاحة أمام جبروت وبطش جيوش جرارة مدججة بأحدث الأسلحة. مولوي جلال الدين حقاني أنموذج للعالم المجاهد المتواضع الزاهد الصابر الذي قدم الأسوة الحسنة؛ لمن يبتغي السير في ذروة سنام الإسلام..

 

مولوي حقاني أنموذج في حسن التوكل على الله وحده  مع أخذ الأسباب قدر المستطاع. مولوي حقاني وقف وساند المجاهدين غير الأفغان ـ المجاهدين العرب وغيره ـ لم يفرق بين أفغاني وغير أفغاني.. لم يكتب بياناً يتذمر فيه من المجاهدين العرب وغيرهم، رغم الغزو الأمريكي الهمجي البربري على أفغانستان عام 2001. رغم أن أمريكا حاولت قتله عدة  مرات رغم شبكة الجواسيس الخونة لم ينكسر ولم يضجر ولم يطئ رأسه لأمريكا وأذناب أمريكا!.

 

 لم يقل مولانا حقاني يوما : "اطردوا هؤلاء المجاهدين إلى بلدانهم! لم يرفع شعار: أفغانستان للأفغان فقط! لم يمن على المجاهدين العرب وغيرهم بالضيافة!! فأهل الدين والتقوى المخبتون لشرع ربهم، أصحاب الأنفس العالية يترفعون عن هذه العنصرية البغيضة!!.

 

مولوي جلال الدين حقاني لم يضن على الجهاد بأهله وإخوته وعشيرته؛ بل كان إخوته مشاركين معه في الجهاد منذ الانطلاقة الأولى حيث هدمت منازلهم وحرقت قراهم وشتتوا فصبروا ولا يزالون صابرين محتسبين؛ فأعزهم الله. لا يزال آل حقاني ومجاهدو الإمارة الأفغانية يجاهدون أعتى وأجرم غزو صليبي بعد الاتحاد السوفياتي.

 

 لا يزال آل حقاني وشعب أفغانستان البطل؛ يجاهدون أمريكا وحلف الناتو منذ 2001؛ ورغم ذلك لم يتضعضع آل حقاني وقادة طالبان وسائر الشعب الأفغاني؛ لا يزالون ثابتين على العهد في نصرة الإسلام وأهله ـ  رغم مغريات أمريكا وعملائها ـ للقبول في المشاركة في حكومة العملاء؛ كرزايا ثم أشرف غني!!!..

 

فسلام وتحية وعزة وكرامة لشيخ الجهاد بأفغانستان والأمة الإسلامية جمعاء؛ مولانا الجيل مولوي جلال الدين حقاني.

سلام وتحية وعزة وكرامة لصاحب الشرارة الأولى في دحر الجيش الشيوعي الأحمر!..

سلام وتحية وعزة وكرامة لأسد باكتيا والهندكوش وتورا بورا وغيرها!

سلام وتحية وعزة وكرامة لأسد الجبال والفيافي والسهول والوديان..

سلام تحية وعزة وكرامة للعالم المجاهد بحق، المربي، الزاهد، التقي الورع؛ مولانا فخر الجهاد والمجاهدين في عصرنا؛ مولوي جلال الدين حقاني الذي شرفه الله؛ بأن رفع له ذكره، وأكرمه بسيرة حسنة في الدنيا، فجزاه الله الخير العميم في الدنيا والآخرة على ما قدم للمسلمين بأفغانستان والعالم الإسلامي.

 

د.هاني السباعي 24 جمادى الأولى 1439هـ ـ 10 فبراير 2018