أليس فيهم عالم رشيد؟!

 

أليس فيهم عالم رشيد؟!

هل أكلت السنانير ألسنتهم؟!

 

د. هاني السباعي

 

صرخ صائحٌ وهاج هائجٌ: كيف تصف أحمد الشرع بأنه طاغوت؟! وزعق ناعق من "ألتراس" الجولاني: هل قال بهذا القول علماء معتبرون في الشام؟! ومن عجيب المقدور أن غالب من سيردّ على هذا الكلام، ممن ابتُلوا بلوثة الغلو في الإرجاء!

كتب أحد الفضلاء – رغم كونه من المعترضين على سياسة الجولاني – يقول: "إن أحمد الشرع لم يقع في الكفر البواح!"

وا حسرتاه! كل هذا الكفر البواح الذي اقترفه أحمد الشرع، ثم يتساءلون: أين الكفر البواح؟!

فماذا عسانا أن نقول إلا أن نردد قول الشاعر:

    وليس يصح في الأذهان شيءٌ ** إذا احتاج النهار إلى دليل

 

أقول، والله المستعان:

 

في البداية: لستُ تابعاً لأي تنظيمٍ على وجه الأرض، وإنما أنا مسلم مستقل، أدافع عن الإسلام وأهله في كل مكان. كما أنني أناصر كل مظلوم مضطهد، سواء أكان مسلماً أم غير مسلم.

أقيم في بريطانيا لاجئاً منذ 31 سنة – حتى كتابة هذه السطور – ولم أحصل على الجنسية البريطانية، ولا حتى على إقامة دائمة!

أنا مهدد بالترحيل في أي لحظة، وأعاني من قضايا عدة ضد دائرة الهجرة منذ سنوات.

وفوق ذلك، فقد فُرض عليّ حظر مالي وحركي – يشمل السفر وغيره – بقرار من مجلس الأمن منذ عام 2005، أي منذ عشرين عاماً!

فمن يدّعي أنني أحمل الجنسية، أو حتى الإقامة الدائمة، أو أنتمي لأي تنظيم، فقد افترى وكذب، وأسأل الله العظيم أن يشل أركانه. اللهم آمين.

 

عودة إلى أصل الموضوع:

 

قبل الدخول في صلب القضية، أود أن أعلّق سريعاً على نقطتين:

أولاً: مشاركة قوات الأمن العام التابعة لأحمد الشرع في حملة عسكرية بريف حلب وغيرها، ضد فصيل تنظيم الدولة (داعش).

فهل يجوز شرعاً الاستعانة بكافرٍ لقتال الخوارج؟

ثانياً: بيان المناطات المكفّرة التي وقع فيها أحمد الشرع.

 

أولاً: حكم الاستعانة بأعداء الإسلام لقتال الخوارج

 

لقد أجبت عن هذا السؤال قديماً، حين أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، تشكيل تحالف ضد تنظيم الدولة، فقلت باختصار:

رغم وصفي لتنظيم الدولة بأنهم خوارج، وما زلت على هذا القول، إلا أنني أكّدت أنه لا يجوز شرعاً التحالف مع قوى معادية للإسلام لقتالهم.

 

وفي ذلك الحين، لم يكن تنظيم أحمد الشرع يصف تنظيم الدولة بالكفر، وإنما يراهم خوارج دون تكفيرهم.

 

وكنتُ من أوائل من أورد نصّ الإمام البخاري في تكفير الخوارج، ثم فصلت القول وبيّنت أن هذا القول هو قول لبعض فقهاء أهل السنة.

لكن جمهور العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، يرون أنهم مبتدعة ضالون لا كفّار، ومعهم أصل الإسلام.

 

وخلاصة القول: حتى من يرى كفر الخوارج، لا يجوز له شرعاً الاستعانة بعدوٍّ كأمريكا أو غيرها من دول الاستكبار العالمي لقتالهم.

نعم، يجوز قتالهم إذا كان المسلمون الموحدون المستقيمون على الحق قادرين على ذلك.

 

المشكلة أن أحمد الشرع سيوظّف شماعة "قتال داعش" لتصفية المعارضين لهيمنته، ومنهم جماعة "حراس الدين" – فرع القاعدة – الذين كانوا يحاربون تنظيم الدولة.

فما يلبث أن يتهمهم بأنهم "دواعش"، ثم يسعى إلى قتلهم!

كما أن أحمد الشرع سيستغل هذا التحالف مع أمريكا لتمرير أجندات علمانية داخل الساحة السورية، ولإسكات كل من يتذمر من سياساته.

 

ثانياً: المناطات المكفّرة التي وقع فيها أحمد الشرع

 

ثبت العرش ثم انقش! أين أولئك العلماء المعتبرون الذين يردّون على وصفي لأحمد الشرع بأنه طاغوت؟!

 

لقد استعرضتُ أدلة شرعية ثبت بها لدي أن أحمد الشرع قد ارتكب ناقضين من نواقض الإسلام.

وقد بسطتُ القول في ذلك في تعليقي الصوتي على "دستور سوريا 2025"، الذي أطلقت عليه اسم: "دستور جنكيز خان"، والمنشور بتاريخ 15 مارس 2025.

التكفير حكم شرعي، وليس شتيمة ولا سبّاً. وكذلك الوصف بالموالاة لأعداء الإسلام أو اتهام شخص بالعمالة أو الخيانة هو وصف لفعل وقول معيّن، لا شتيمة ولا طعن شخصي.

 

أحمد الشرع وقع في مناطين مستقلين مكفّرين:

المناط الأول:  شرك التشريع:

قال تعالى:  (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى آية 21. فقد أقرّ أحمد الشرع دستوراً علمانياً، تتضمن بعض مواده نصوصاً معادية للإسلام، كما في المادة الثالثة وغيرها، بما يخالف عقيدة الولاء والبراء.

المناط الثاني: موالاة أعداء الإسلام:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة آية 51. لقد ترتّب على هذه الموالاة استباحة دماء معصومة بالإسلام، قد شرحت ذلك في كلمتي المكتوبة بعنوان: "الحب والبغض في أحمد الشرع" بتاريخ 27 يوليو 2025.

 

وقبل أن أختم هذا المقال، اطّلعت على مقالٍ لشيخٍ فاضل من أهل الشام، من المعارضين لسياسة أحمد الشرع، رد فيه على فتواي بتكفير الجولاني، وقارن بينه وبين الدكتور محمد مرسي!

بالطبع هذه المقارنة لا تلزمني شرعاً، بل ليست بردٍّ علمي، وقد زعم الشيخ أنني كنتُ صامتاً عن تصريحات وأقوال وأفعال الدكتور مرسي وقتئذ!!، وهذا ادّعاء باطل!

كما ادّعى أن الجولاني لم يقع في الكفر البواح! رغم ارتكابه للنقضين الذين ذكرتُهما!

على أية حال  سأردّ على هذه الأوهام في مقال مستقل، بإذن الله تعالى.

 

صفوة القول

 

هذا ما أدين اللهَ تعالى به، رغم أنف من يعلم الحق فيكتمه، ورغم ضجيج كلّ متسكّع على عتبات الفقه، وكل مفكر عاطفي على أسطح التواصل الاجتماعي!

 

أحمد الشرع قد أتى بالكفر البواح، وارتكب ناقضين من نواقض الإيمان، فصار طاغوتاً خارجاً من الإسلام.

أليس في هؤلاء جميعاً عالم رشيد يردّ على الأدلة الشرعية التي استعرضتُها؟! بأدلة شريعة سديدة بدلاً من الرد بالعاطفة وأقاويل الحكائين!!

أم أن الجولاني – بما أنه كان محسوباً على المجاهدين سابقاً– صار معصوماً؟! وصار أحمد الشرع نفسه "مانعاً من موانع التكفير"؟!

 

أين حمرةُ الخجل يا ملح البلد؟!

 

ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد!

 

كلمة على الماشي – د. هاني السباعي

تاريخ 4 صفر 1447هـ – 28 يوليو 2025م